الشيخ محمد رشيد رضا

112

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

والأقرب انهم طلبوا من موسى أن يعين لهم أصناما وتماثيل يتقربون بعبادتها إلى اللّه تعالى ، وهذا القول هو الذي حكاه اللّه تعالى عن عبدة الأوثان حيث قالوا ( ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى ) إذا عرفت هذا فلقائل أن يقول : لم كان هذا القول كفرا ؟ فنقول اجمع كل الأنبياء عليهم السّلام على أن عبادة غير اللّه تعالى كفر سواء اعتقد في ذلك الغير كونه الها للعالم أو اعتقدوا فيه ان عبادته تقربهم إلى اللّه تعالى - لان العبادة نهاية التعظيم ، ونهاية التعظيم لا تليق الا بمن يصدر عنه نهاية الانعام والاكرام . ثم قال بعد أن جزم بأن هذا القول صدر عن بعضهم لا كلهم وانه كان فيهم من يترفع عنه ما نصه : ثم إنه تعالى حكى عن موسى عليه السّلام انه أجابهم فقال : ( انكم قوم تجهلون وتقرير هذا الجهل ما ذكر من أن العبادة هي غاية التعظيم فلا تليق إلا بمن يصدر عنه غاية الانعام وهي بخلق الجسم والحياة والشهوة والقدرة والعقل وخلق الأشياء المنتفع بها ، والقادر على هذه الأشياء ليس الا اللّه تعالى فوجب أن لا تليق العبادة الا به ، ( فان قالوا ) إذا كان مرادهم بعبادة تلك الأصنام التقرب بها إلى تعظيم اللّه تعالى فما الوجه في قبح هذه العبادة ؟ ( قلنا ) فعلى هذا الوجه لم يتخذوها آلهة أصلا وانما جعلوها كالقبلة ، وذلك ينافي قولهم ( اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ ) اه أقول من العجب أن يقع امام النظار في علم العقائد على طريقة الفلسفة والكلام في مثل هذا الخطأ في أسئلته وأجوبته والتناقض في كلامه ، ومنشأ هذا الخطأ الغفلة عن مدلول ألفاظ القرآن في اللغة العربية واستعمالها بلوازم - معناها العرفية كلفظ « الاله » فان معناه في اللغة المعبود مطلقا لا الخالق ولا المدبر لامر العالم كله ولا بعضه ، ولم يكن أحد من العرب الذين سموا أصنامهم وغيرها من معبوداتهم آلهة يعتقد أن اللات أو العزى أو هبلا خلق شيئا من العالم أو يدبر امرا من أموره ، وانما تدبير أمور العالم يدخل في معنى لفظ الرب . والشواهد على هذا في القرآن كثيرة ناطقة بأنهم كانوا يعتقدون ويقولون إن خالق السماوات والأرض ومدبر أمورهما هو اللّه تعالى وإن آلهتهم ليس لها من امر الخلق والتدبير شيء ، وإن شركهم لأجل التقرب اليه تعالى وابتعاء الشفاعة عنده بعبادة ما عبدوه ، ولذلك كانوا يقولون في طوافهم : لبيك لا شريك لك ،